*الدين جسرٌ للإنسان لا ساحة للإنقسام* *✍🏼 منجد شريف* رغم تعدد الأديان وتنوع مساراتها الروحية، يظلّ جوهر التجربة الدينية وا

عاجل

الفئة

shadow
*الدين جسرٌ للإنسان لا ساحة للإنقسام*

*✍🏼 منجد شريف*

رغم تعدد الأديان وتنوع مساراتها الروحية، يظلّ جوهر التجربة الدينية واحدًا في أعماق الإنسان: البحث عن معنى، والتمسّك بالقيم التي تحفظ كرامته، والسعي إلى علاقة صادقة مع قوة عليا تضيء الطريق. وقد تبدو الاختلافات العقائدية واسعة، لكن النظرة المتأنية تكشف أن ما يجمع الأديان في أساسها أكبر بكثير مما يفرقها.

الإنسان في كل دين هو قيمة بحد ذاته. جميع الديانات تقدّس الحياة وتعتبرها هبة ينبغي احترامها. لذا يصبح أي اعتداء على أي إنسان اعتداءً على ما هو أعمق من الجسد: على الكرامة التي وهبها الخالق له. ومن هذه الأرضية المشتركة تنبع الدعوة إلى المحبة والرحمة، فكل دين — على اختلاف لاهوته أو فقهه — يعلّم أن القسوة لا تشفي بشرًا، وأن الانتقام لا يبني مجتمعًا، وأن العلاقات بين الناس لا تستقيم إلا حين تُسقى بالمحبة واللين والتعاطف.

كما تتفق الأديان جميعها على قيمة العدالة. فالمجتمعات لا تُحكم بالسلطة وحدها، بل بميزان يضمن الحق ويردع الظلم. ولكن العدالة ليست مجرد مادة قانونية؛ إنها مطلب روحي يهدف إلى إعادة الإنسان إلى الطريق المستقيم. ولهذا تلتقي مفاهيم الغفران أيضًا، لأن المجتمعات التي لا تعرف المسامحة تبقى أسيرة ماضيها، عاجزة عن بناء مستقبل جديد.

وتتشارك الأديان في رؤيتها للصراع الأخلاقي داخل الإنسان. الخير يحتاج إلى تربية وإرادة، والشر لا يُعتبر قدرًا محتومًا بل ميلاً يمكن ضبطه. كما أن الأسرة والمجتمع يشكّلان محور التعليم الديني، فكل دين يرى أن الفرد لا يكتمل إلا ضمن علاقة سليمة مع محيطه، وأن حماية الضعفاء والاهتمام بالمحتاجين ليست فضلًا بل واجبًا.

في هذا السياق، يصبح البحث عن السلام غاية عامة بين الأديان. التحيات الدينية نفسها — “السلام عليكم”، “سلام المسيح”، حتى هي نفسها في باقي الأديان— تعبّر عن أن السلام ليس مجرد حالة سياسية، بل حالة روحية يطمح الإنسان إليها في ذاته وفي مجتمعه. وحين يضيع هذا السلام، يضيع الإنسان معه.

من هنا يبرز الدور الخطير للدين في بلد مثل لبنان، حيث يتداخل السياسي بالطائفي حتى يصبح الانقسام أحيانًا جزءًا من الهوية. فالاختلاف السياسي المبني على الطائفة لا يستند دائمًا إلى رؤية وطنية، بل كثيرًا ما يستند إلى خوف متبادل تغذّيه ذاكرة الحروب. وهذه الذاكرة، كلما صارت مرجعًا للقرار، أنجبت نعرات وصراعات لا تُنتج إلا الشرّ. فقد أثبت تاريخ لبنان أن الحروب لا تبني دولة، ولا ترسخ عدالة، ولا ترفع شأن طائفة على أخرى؛ بل تترك شروخًا جديدة في كل بيت، ودمعة إضافية في عين كل أم، ووهمًا بأن الانتصار على الشريك هو نجاة، بينما هو في الحقيقة بداية هزيمة جديدة.

في المقابل، يستطيع الدين — حين يعود إلى جوهره الأخلاقي — أن يكون الجسر الذي يربط ما فرّقته السياسة. فحين تلتقي الطوائف على قيم الرحمة والمحبة والعدالة والغفران واحترام الإنسان، تسقط مبررات الخوف، ويُفتح الباب أمام رؤية وطنية لا تبنى على الغلبة، بل على الشراكة. وهكذا يصبح الدين قوة توحيد، ووسيلة لشفاء الذاكرة، وطريقًا نحو مستقبل لا يقيس الناس بطوائفهم، بل بإنسانيتهم.

الناشر

شعلان اسماعيل
شعلان اسماعيل

shadow

أخبار ذات صلة